في رحاب "المُنْعِم": طمأنينةُ الأصلِ لا الفَرع
ليس الاضطرابُ الذي يصيبُ النفس عند زوال النعمة إلا دليلاً على أنها كانت تتكئُ على "ظِلٍّ" زائل، غافلةً عن "الشمس" التي أوجدته. إنّ من حَصَرَ سكينته في حدودِ العطاء، جعلَ قلبهُ رهينةً للتحول؛ يرقصُ طرباً مع الامتلاء، ويذوي كمداً مع الفراغ.
أما العارفُ بصفة "المُنْعِم"، فقد تجاوزَت بصيرتهُ حدودَ المادة ليتصلَ بالمعنى. هو لا يرى في النعمةِ غايةً بحد ذاتها، بل يراها "أثراً" من آثارِ ودِّ الله، ونفحةً من نفحاتِ جوده. لذا، حين تتبدلُ الأحوال، لا يتبدلُ يقينه؛ لأنّ "المُنْعِم" باقٍ بجماله وجلاله، وإن احتجبت بعضُ تجلياتِ كرمه لحكمةٍ يطويها القدر.
إنّ الطمأنينة بـ "المُنْعِم" هي حُسنُ أدبٍ مع المصدر؛ فالمحبُّ لا ينشغلُ بالهدية عن مُهديها، والمسافرُ لا يفتنهُ جمالُ الطريق عن نبلِ الوجهة. حين يمتلئُ القلبُ بهيبةِ هذا الاسم الشريف، تصبحُ الدنيا في يده لا في قلبه؛ إن أقبلت رآها من فضله فاستقامت نفسه بالشكر، وإن أدبرت رآها من عدله وحكمته فاستقرّت روحه بالرضا.
هذا هو السكونُ الذي لا يزول؛ سكونٌ يستمدُّ ثباته من ديمومةِ "المُنْعِم" لا من مؤقتاتِ "النِعَم". هو امتلاءٌ داخلي يجعلكَ تمشي فوق أشواك الحياة بقدمٍ ثابتة، مدركاً أنَّ الذي أعطى أولاً هو الغنيُّ الذي يملكُ العطاءَ دائماً، وأنّ حِرمانهُ ليس فقراً، بل هو "عطاءٌ مُقنّع" يدعوكَ للعودةِ إلى حِماه.
فمَن استأنسَ بالنعمةِ استوحشَ لفقْدِها، ومَن استأنسَ بالمنْعِمِ لم يجد للوحشةِ في قلبه سبيلاً...🩵

